في كل مرة يعتقد فيها العالم أنه اقترب من احتواء التضخم واستعادة الاستقرار الاقتصادي، تظهر قوة جديدة تعيد خلط الأوراق. فبينما لا تزال أسواق الطاقة تتعامل مع تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، تتسارع في الجهة المقابلة أكبر موجة استثمارية في الذكاء الاصطناعي منذ ظهور الإنترنت. وبين هذين المسارين، يجد الاقتصاد العالمي نفسه في وضع غير مألوف: صدمة عرض ترفع الأسعار وتضغط على النمو، وصدمة طلب تكنولوجية تدفع الاستثمارات والنشاط الاقتصادي إلى مستويات أعلى.

 

هذا بالتحديد ما حذرت منه المديرة العامة لـ"صندوق النقد الدولي" كريستالينا غورغييفا، التي وصفت الاقتصاد العالمي بأنه يُسحب في اتجاهين متعاكسين، الأول صدمة سلبية في إمدادات الطاقة ناتجة عن صراعات الشرق الأوسط، والثاني طفرة في الطلب والاستثمار يقودها الذكاء الاصطناعي، لكنها تساهم هي الأخرى في تغذية الضغوط التضخمية.

 

العالم ينمو.. ولكن ببطء

رغم الزخم الكبير في قطاع التكنولوجيا، لا تتوقع المؤسسات الدولية نمواً عالمياً قوياً بالمعايير التاريخية. فقد توقع "صندوق النقد الدولي" في تحديثه الأخير نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3% خلال 2026 قبل أن يرتفع إلى 3.4% في 2027، مستفيداً من تعافي جزئي في التجارة العالمية وتحسن بعض الظروف الاقتصادية. لكن هذا النمو يبقى دون المتوسطات التي شهدها العالم قبل الأزمة المالية العالمية.

 

أما "البنك الدولي" فيبدو أكثر تحفظاً، إذ يتوقع تباطؤ النمو العالمي إلى 2.5% خلال 2026، معتبراً أن ارتفاع أسعار الطاقة وتجدد الضغوط التضخمية وتزايد أعباء الديون ستبقى عوامل معاكسة للنشاط الاقتصادي العالمي.

 

هنا تظهر المفارقة الكبرى؛ العالم يعيش ثورة تكنولوجية تاريخية، لكنه في الوقت نفسه يواجه بيئة اقتصادية مشابهة في بعض جوانبها لفترات الصدمات النفطية السابقة.

 

صدمة الطاقة.. الخطر الذي لم يختفِ

خلال الأشهر الماضية تراجعت المخاوف من حدوث نقص حاد في الإمدادات النفطية مقارنة بذروة التوترات الإقليمية، إلا أن أسعار الطاقة لا تزال مرتفعة، بينما تظل أسواق النفط والغاز عرضة لأي اضطرابات جديدة.

 

وتدور أسعار النفط حول 100 دولار للبرميل، بينما تواجه منتجات الطاقة المكررة مثل الديزل ضغوطاً إضافية بسبب محدودية طاقات التكرير. كما أن اقتراب موسم الشتاء يرفع الطلب على الوقود والغاز الطبيعي في وقت لا تزال فيه سلاسل الإمداد مرتبطة بمخاطر النقل والشحن في المنطقة.

 

ويتفق ذلك مع تقديرات "البنك الدولي" التي أشارت إلى أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في أكبر صدمة لأسواق الطاقة منذ عدة سنوات، مع توقع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية بنحو 24% خلال 2026، وارتفاع أسعار السلع الأولية عموماً بنسبة 16%، بما في ذلك الأسمدة والمعادن الصناعية.

 

المشكلة أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يتوقف عند محطات الوقود، بل ينتقل إلى تكاليف النقل والإنتاج والغذاء والخدمات، وهو ما يعيد إحياء الضغوط التضخمية حتى في الاقتصادات التي كانت تعتقد أنها تجاوزت مرحلة التضخم المرتفع.

 

لماذا قد يكون الذكاء الاصطناعي تضخمياً؟

لطالما ارتبطت التكنولوجيا بزيادة الإنتاجية وخفض التكاليف. لكن الذكاء الاصطناعي يمر حالياً بمرحلة مختلفة.

 

فالعالم لا يزال في مرحلة الإنفاق الضخم على البنية التحتية، وليس في مرحلة جني العوائد الكاملة. فشركات التكنولوجيا تضخ مئات المليارات في مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية وشبكات الحوسبة العملاقة وخدمات الطاقة اللازمة لتشغيلها.

 

ويتوقع "صندوق النقد الدولي" أن تتجاوز الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مستويات الاستثمارات التي شهدها العالم خلال بناء السكك الحديدية أو شبكات الكهرباء أو الاتصالات. كما تشير تقديرات الصندوق إلى أن الإنفاق الخاص المرتبط بالذكاء الاصطناعي قد يتجاوز تريليوني دولار خلال 2026.

 

وهنا تكمن المفارقة؛ الذكاء الاصطناعي يعد بزيادة الإنتاجية مستقبلاً، لكنه في المدى القصير يرفع الطلب على الكهرباء والمعادن والعمالة الماهرة ورأس المال، ما يضيف ضغوطاً تضخمية جديدة إلى الاقتصاد العالمي.

 

الطلب على الطاقة يزداد بسبب التكنولوجيا

بعيداً عن الصورة التقليدية، أصبح الذكاء الاصطناعي نفسه مستهلكاً ضخماً للطاقة.

فالتقديرات الدولية تشير إلى أن الطلب على الكهرباء المرتبط بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات قد يتضاعف عدة مرات خلال السنوات المقبلة. كما يتوقع "البنك الدولي" ارتفاع أسعار معادن مثل النحاس والألمنيوم والقصدير إلى مستويات قياسية بدعم من الطلب القادم من مراكز البيانات والسيارات الكهربائية ومشروعات الطاقة النظيفة.

 

وبذلك، فإن الثورة الرقمية الجديدة لا تعمل بمعزل عن أسواق الطاقة، بل أصبحت مرتبطة بها بشكل مباشر، ما يجعل أي اضطراب في إمدادات النفط أو الغاز أكثر تأثيراً على الاقتصاد التكنولوجي أيضاً.

 

البنوك المركزية أمام أصعب اختبار

التحدي الأكبر حالياً يتمثل في السياسة النقدية. فعندما يكون التضخم ناتجاً عن زيادة الطلب فقط، تستطيع البنوك المركزية احتواءه عبر رفع أسعار الفائدة. أما إذا كان ناتجاً عن نقص في الإمدادات وارتفاع تكاليف الطاقة، تصبح الأدوات النقدية أقل فعالية.

 

لكن الوضع الحالي يجمع بين الأمرين معاً؛ صدمة عرض نفطية وصدمة طلب تكنولوجية.

 

لذلك دعت غورغييفا البنوك المركزية إلى تبني نهج حذر يميل إلى التشدد، معتبرة أن رفع أسعار الفائدة من قبل "الاحتياطي الفيدرالي" الأميركي و"البنك المركزي الأوروبي" و"بنك اليابان" يعد مناسباً في البيئة الحالية للحفاظ على استقرار الأسعار.

 

ومع استمرار ارتفاع الطاقة، تزداد احتمالات بقاء الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يضغط بدوره على الاستثمارات وأسواق السندات والإنفاق الحكومي.

 

الديون العالمية.. الخطر الصامت

وسط التركيز على النفط والذكاء الاصطناعي، يحذر الصندوق من تهديد ثالث لا يقل خطورة، وهو الدين العام.

 

وفق بيانات الصندوق، ارتفع الدين العام العالمي إلى نحو 94% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى 100% بحلول 2029 أو قبل نهاية العقد الحالي، وهو مستوى لم يشهده العالم منذ الحرب العالمية الثانية. كما تجاوز إجمالي الدين الحكومي العالمي 100 تريليون دولار.

 

وتزداد المشكلة تعقيداً لأن التضخم المرتفع يدفع الفائدة إلى الصعود، بينما تؤدي الفائدة المرتفعة إلى زيادة تكلفة خدمة الدين، ما يحد من قدرة الحكومات على الإنفاق والاستثمار وتحفيز النمو.

 

وتحذر المؤسسات الدولية من أن الاقتصادات الأكثر مديونية ستكون الأكثر عرضة للضغوط المالية إذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة أو تعرض الاقتصاد العالمي لموجة تباطؤ جديدة.

 

من الرابح ومن الخاسر؟

في ظاهر الأمر تبدو الدول المصدرة للنفط أكبر المستفيدين من الأسعار المرتفعة، لكن الواقع أكثر تعقيداً. فارتفاع الإيرادات النفطية قد يقابله تراجع في الصادرات أو اضطرابات جيوسياسية أو تباطؤ في الاقتصاد العالمي.

 

أما الدول المستوردة للطاقة فتواجه ضغوطاً مباشرة على موازناتها التجارية ومعدلات التضخم والنمو.

 

وفي المقابل، تبدو الدول التي تمتلك بنية تحتية رقمية متقدمة وقاعدة صناعية وتقنية قوية هي الأكثر قدرة على الاستفادة من طفرة الذكاء الاصطناعي. وتشير أبحاث "صندوق النقد الدولي" إلى أن مكاسب الذكاء الاصطناعي قد تكون في الاقتصادات المتقدمة أكثر من ضعف المكاسب المتحققة في الدول منخفضة الدخل، ما يهدد بتوسيع فجوة النمو العالمية.

 

هل نحن أمام فقاعة جديدة؟

كما حدث في عصر السكك الحديدية والإنترنت، يرافق كل تحول اقتصادي كبير موجة تفاؤل واستثمارات ضخمة.

 

وتحذر غورغييفا من أن التركز الكبير في شركات الذكاء الاصطناعي والتقييمات السوقية المرتفعة يضع ضغوطاً هائلة على هذه الشركات لتحقيق أرباح وإنتاجية تبرر الأسعار الحالية. وأي خيبة أمل في النتائج قد تتحول إلى صدمة مالية واسعة النطاق تؤثر على الأسواق العالمية.

 

اقتصاد يقف بين عصرين

ربما لا تكمن أهمية اللحظة الحالية في ارتفاع النفط أو صعود الذكاء الاصطناعي كل على حدة، بل في اجتماعهما معاً. فالعالم يمر بمرحلة انتقالية بين اقتصاد لا تزال الطاقة التقليدية تتحكم في تكاليفه وأسعار إنتاجه، واقتصاد جديد تقوده الخوارزميات والبيانات والرقائق الإلكترونية.

 

لكن بناء هذا المستقبل الرقمي يحتاج إلى استثمارات هائلة في الطاقة والبنية التحتية، في وقت تواجه فيه الحكومات أعلى مستويات الدين منذ عقود، وتكافح البنوك المركزية من أجل إعادة التضخم إلى مستوياته المستهدفة.

 

لهذا السبب لم يعد السؤال الرئيسي هل سيعود التضخم؟، بل أصبح هل يستطيع الاقتصاد العالمي إدارة صدمتي النفط والذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه دون السقوط في فخ الركود أو الفقاعة المالية؟. الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد شكل الاقتصاد العالمي وأسعار الفائدة والأسواق لسنوات طويلة مقبلة.